الْطَّاعُون - رِوَايَة الْأَدِيب أَلْبِير كَامُو (الْحَائِزَة عَلَى جَائِزَة نُوَبِّل)
أَلْبِير كَامُو مُنِح جَائِزَة نُوَبِّل لِلْآَدَاب سُنَّة 1957م وَهُو لَم يَتَجَاوَز الْرَّابِعَة وَالْأَرْبَعِيْن مِن عُمُرِه. وَمَا تَزَال كَتَبَه تَتَقَدَّم جَمِيْع الْكُتُب الْأُخْرَى فِي الْرَّوَاج.
وَلَو لَم يُقْتَل أَلْبِير كَامُو فِي حَادِث سَيّارَة وَهُو فِي الْسَّادِسَة وَالْأَرْبَعِيْن مِن الْعُمْر، لَكَان الْيَوْم فِي الْتِّسْعِيْن مِن عُمُرِه، مُتَرَبِّعَا عَلَى كُرْسِي الْأَدَب الْفَرَنْسِي، مُثِيْرَا لِلْجَدَل وَالاعْجَاب.
وَقَد عَاش كَامُو غَرِيْبَإ فِي كُل مَكَان. وُلِد فَرَنْسِيَّا فِي الْجَزَائِر (لِأَب فَرَنْسِي وَأُم اسْبَانِيّة) .. وَمَات جَزَّائريّا فِي بَارِيْس.
وُلِد فِي مَدِيْنَة مُوَّنْدُوَفِي مِن أَعْمَال مُحَافَظَة قُسْطَنْطِيْنَة بِالْجَزَائِر عَام 1913م.
أُصِيْب بِدَاء الْسَّل وَهُو فِي الْسَّابِعَة عَشْرَة مِن عُمُرِه فِي نَفْس الْعَام (1930م) الَّذِي كَان الْفَرَنْسِيُّون يَحْتَفِلُون فِيْه بِالْذِّكْرَى الْمِئَوِيَّة لِاحْتِلَالَهُم الْجَزَائِر وَالَّذِي اسْتَمَر مِائَة وَاثْنَيْن وَثَلَاثِيْن عَامّا (1830 - 1962)، مِّمَّا جَعَلَه يُوَجِّه اهْتِمَامِه نَحْو الْأَدَب وَالْكِتَابَة، وَلَقَد اصْطَبَغَت تَوَجُّهَاتِه فِي الْكِتَابَة بِمَقْتِه الْشَّدِيْد لِأَسَالِيْب الْقُوَّة وَالْعُنْف وَالْسَّيْطَرَة وَإِدَانَتِه لِلِاسْتِعْمَار الْفَرَنْسِي لِلْجَزَائِر وَيَتَبَدَّى ذَلِك فِي قَوْلِه: (إِن أَكْبَر مَعْرَكَة يَجِب أَن يَخُوْضُهَا الْإِنْسَان هِي مَعْرَكَتِه مَع نَفْسِه، مَعْرَكَة يَنْتَصِر فِيْهَا حُب الْعَدَالَة عَلَى شَهْوَة الْحِقْد).
بَعْد أَن أَنْهَى دِرَاسَتَه الْجَامِعِيَّة قَام بِنَشْر أَوَّل كِتَاب لَه: (الْوَجْه وَالْقَفَا) وَهُو عِبَارَة عَن كِتَابَات قَصَصِيَّة قَصِيْرَة ذَات طَابَع وِجْدَانِي، ثُم أَصْدَر كِتَابَه الْثَّانِي: (أَعْرَاس) وَلَه أَيْضا نَفْس الْطَّابَع الْقَصَصِي الْوِجْدَانِي، ثُم بَدَأ اسْمُه يَلْمَع عَلَى الْمُسْتَوَى الْأَدَبِي بَعْد صُدُوْر رِوَايَتِه الْأُوْلَى (الْغَرْيِب) سُنَّة 1942م، ثُم تَوَالَت مُؤَلَّفَاتِه بَعْد ذَلِك تِبَاعَا فَنَشَر رِوَايَة (أُسْطُوْرَة سِيْزِيْف) و(الْخَطَأ) و(كالِيَجُوَلا ) و(الْطَّاعُون) و(حَالَة حِصَار) و(الْعَادِلُوْن ) و(الْإِنْسَان الْمُتَمَرِّد).. إِلَخ.
يَنْتَمِي الْبِير كَامُو إِلَى التَّيَّار الْمُتَوَسِّطِي فَفِي كِتَابَاتِه الْمُخْتَلِفَة حَاوَل أَن يُثَبِّت أَن ثُمَّة تَيَّارُا مُتَوَسطيّا عَلَى الْمُسْتَوَى الْحَيَاتِي وَعَلَى الْمُسْتَوَى الْفِكْرِي، غَيْر أَن الْنُّخْبَة الْفَرَنْسِيَّة الَّتِي أَيَّدْت حَرْب الْتَّحْرِيْر لَم تُغْفَر لَه ابَدَا غِيَاب الْحَرْب عَن مُؤَلَّفَاتِه. لَكِن بَعْد ابْتِعَاد الْحَرْب الْجَزَائِرِيَّة عَن ذَاكِرَة الْفَرَنْسِيِّين عَاد أَلْبِير كَامُو إِلَى احْتِلَال الْمَرْتَبَة الْأَدَبِيْة الاوْلَى. وَتَرَاجَعَت صُوْرَة جَان بَوْل سَارْتَر أَمَام صَوَّرْتُه وَأَثَرُه الادّبي.
رِوَايَة الْطَّاعُون وَجَائِزَة نُوَبِّل:
فَاز كَامُو بِجَائِزَة نُوَبِّل عَن رِوَايَتِه «الْطَّاعُون».
وَتَدُوْر الْرِّوَايَة مِثْل أَعْمَالِه الْأُخْرَى فِي مَدِيْنَة " وَهْرَان ".. وَلَيْس فِي الْجَزَائِر الْعَاصِمَة.
وَلَيْسَت وَهْرَان شَيْئا سِوَى «غُبَار وَقَيْظ وَحَصَى». وَفِي أَي حَال عِنْدَمَا يَنْتَهِي الْطَّاعُون الَّذِي حَل بِالْمَدِيْنَة، أَو يَبْدُو أَنَّه انْتَهَى يُعْلِن بَطَل كَامُو، الْطَّبِيْب رِيَّو، أَن هَذِه لَيْسَت «حِكَايَة انْتِصَار نِهَائِي عَلَى الْإِرْهَاب وَهَجَمَاتِه الَّتِي لَا تَتَوَقَّف»، لِأَن الدُّكْتُوْر رِيَّو كَان «يُعَرِّف مَا لَا تَعْرِفُه هَذِه الْجَمَاهِيْر الْمُبْتَهِجَة، وَالَّتِي كَان فِي امْكَانِهَا أَن تَتَعَلَّم ذَلِك مِن الْكُتُب، وَهُو أَن جُرْثُوْمَة الْطَّاعُون لَا تَمُوْت أَو تَخْتَفِي إِلَى الْأَبَد، وَإِنَّمَا تَنَام لِتَظْهَر مِن جَدِيْد».
فِي رِوَايَة “الْطَّاعُون” يَرْتَسِم وَاقِع بِلَا نِسَاء.. إِنَّه عَالَم رِجَالِي خَالِص، حَتَّى إِن الْمَرْأَة لَا تَحْضُر إِلَا بِغِيَابِهَا! فَزَوَّجَة رِيَّو يَسَفِرَهَا أَلْبِير كَامُو مُنْذ الْيَوْم الْثَّانِي، ثُم تَمُوْت بَعْد ذَلِك. وَزَوْجَة كُرَّان لَا تَحْضُر إِلَا كَذِكْرَى تَسْتَدِر الْدَّمْع مِن عَيْنَيْه!
وَالْشَّخْصِيَّة الْنِّسَائِيَّة الْوَحِيدَة الَّتِي نَجِدُهَا حَاضِرَة هِي وَالِدَة الدُّكْتُوْر رِيَّو، غَيْر أَنَّهَا لَا تَنْطِق خِلَال الْرِّوَايَة، بَل تَظَل بِلَا قَوْل وَلَا خِطَاب، وَكَأَنَّهَا مُجَرَّد صُوْرَة خَرْسَاء!
لِمَاذَا هَذَا الْغِيَاب الْمُطْلَق لِلْشَّخْصِيَّة الْنِّسَائِيَّة؟
إِذَا قَلْبُنَا فِي مُذَكِّرَات أَلْبِير كَامُو نَرَى أَنَّه أَمَر مَقْصُوْد وَلَيْس مُجَرَّد عَفْوِيَّة سَرْدِيَّة.
فَفِي دَفَاتِر يَوْمِيَّاتِه سَيُكْتَب كَامُو: " الْطَّاعُون: عَالِم بِلَا نِسَاء. لِذَا فَهُو عَالِم الاخْتِنَاق".
إِذَن، لَقَد أَرَادَه عَالِمْا مَعْزُوْلَا مُقْفَلا يُضَغَط عَلَى الْنَّفْس إِلَى حَد خَنَقَها.. لِذَا كَان لَابُد مِن تَرْحِيْل الْجِنْس الْنَّاعِم، لِيَقِف الْرِّجَال وَحْدَهُم أَمَام الْأَلَم الْأَعْظَم.. بِلَا سَلْوَى.
تِستِحقَ القرِإءْههَ
وِديٌ لكِمْ
,